عبد الله بن أم مكتوم

{عبد الله بن أمِّ مكتوم}

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢}[سورة آل عمران:102]

 {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١}[سورة النساء:1]

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١}[سورة الأحزاب:70_71] 

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ

عباد الله:

قد أنزل الله عز وجل صدر سورة ((عبس)) يُعاتب الله عز وجل فيها نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم ألطَفَ معاتبة، آياتٌ نزل بها جبريل عليه السلام على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى

 آياتٌ تتلى إلى أن يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها.

{عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١}أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ ٦وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠}[سورة عبس:1-10]

ذكرَ جمعٌ من المفسرين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوماًَ يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن مكتوم، فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلحُّ عليه وودَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كفى ساعته ليتمكن من مخاطبة ذلك الكافر طمعاً في هدايته, ولكنَّه عبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على ذلك الكافر, فأنزل الله عز وجل تلك الآيات معاتبةً لنبيه صلى الله عليه وسلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه المعاتبة يُكرمه ويدينه ويجلُّه، وإذا جاء قال له: هل لك من حاجة؟.

وعبد الله بن أم مكتوم ممَّن أسلم قديماً، فهو من السابقين إلى الاسلام.

عاش رضي الله عنه محنة المسلمين في مكة وذاق من بطش المشركين وقسوتهم وأذاهم، فما ضعف ولا تزعزع ولا فتر نشاطه، بل ازداد إيماناً ويقيناً. امتلأ قلبه بحب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا الإيمان عباد الله: إذا خالطت بشاشته القلوب تعلَّقَ المرء بالله تعالى وتَوكَّلَ عليه وأحسن الظنَّ بربه عز وجل وصَبَرَ على الأذى في سبيله.

{مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣}[سورة الأحزاب:23]  

فابن أمَّ مكتوم تَعلَّق قلبه بالقرآن، وحرص على تلقيه من في الرسول صلى الله عليه وسلم.

شرح الله عز وجل صدره وأعلَى ذكره حتى حظيَ بالمكانة العظيمة عند الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وعند المؤمنين.

وبعد أن أذِنَ الله عز وجل للمؤمنين بالهجرة إلى المدينة لما اشتدَّ عليهم أذى قريش،  هاجر عبد الله بن أمِّ مكتوم إلى المدينة فراراً بدينه وكان هو ومصعب ابن عمير رضي الله عنهما أوَّلَ من قَدِمَ المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فصارا يتردَّدان على الناس و يقرئهما القرآن الكريم ويعلِّمهما دين الله عز وجل.

ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وشرع الله عز وجل الأذان للصلوات الخمس صار عبد الله بن أمِّ مكتوم مع أخيه بلال بن رباح مؤذنين لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصدعان بكلمة التوحيد ويدعوان الناس إلى الصلاة التي بها راحة البدن وانشراح الصدر، يدعوان الناس إلى ما فيه فلاحهم في الدنيا والآخرة، وقد كان أذان ابن أم مكتوم علامة دخول الفجر في رمضان:

_عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ”[1]

وقد سار هذا الصحابي الجليل مع النبي صلى الله عليه وسلم سيرةً حسنة, وكان من إكرام النبي صلى الله عليه وسلم له أن استخلفه على المدينة مرتين في غزوتين.

وهذا الصحابي الأعمى الذي هو ممَّن أعذره الله عز وجل عن الجهاد والقتال: أبَت نفسه إلَّا أن يحضرَ صفَّ القتال ويُشارك المسلمين المجاهدين في قتالهم أعداء الله عز وجل.

قال أَنَسٍ رضي الله عنه: رأيته يوم القادسية عَلَيْهِ دِرْعٌ، وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ

شيخٌ كبيرٌ رَقَّ عظمه واحْدَوْدَبَ ظَهْرُه وكبر سِنُّه وهو أعمى لا يبصر: رابط في معركةٍ داميةٍ شديدةٍ في ثلاثة أيام قاسية عابسة إلى أن نَصَرَ الله عز وجل أهل الإيمان على الفُرس المجوس، وكان ممَّن قُتِلَ شهيداً في هذه المعركة التي تولَّى قيادتها سعد بن أبي وقاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم

وُجِدَ عبد الله بن أمَّ مكتوم الأعمى صريعاً وهو يُعانق راية المسلمين، رضي الله عنه وعن سائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اللهم إنَّا نسألك بحبِّنا إيَّاهم أن تغفر لنا وتدخلنا الجنة ووالدينا والمؤمنين والمؤمنات.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب يغفر لكم إنَّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اتقوا الله عباد الله واعلموا أنَّكم ملاقوه فقدِّموا لأنفسكم ما يُقرِّبكم إلى الله عز وجل والجنة ويُباعدكم عن سخطه والنار.

ثم لتعلموا عباد الله: أنَّ في قصة هذا الرجل عبد الله بن أمِّ مكتوم

فوائد عظيمة ودروساً وعبراً:

• أعظمها وأجلها: الثبات على دين الله هز وجل

• والعزيمة والصبر وخدمة الدين

• وأنَّ الإعاقة من عمى أو عرج أو نحو ذلك لا تمنع من الطموح الحسن والعمل الدؤوب لصالح الاسلام والمسلمين.

هذا الرجل: أعمى فاقد البصر وقد عمل ما عمل من إيمان وعمل صالح وجهاد ودعوة فما عسى أن يقول الأصحَّاء الذين عافاهم الله عز وجل، بل ما يقول الصحيح وهو جار المسجد وهو يسمع نداء الحق يخترق جدران بيته ولا يُلبِّي هذا النداء العظيم الذي به نجاته وفلاحه في الدنيا والاخرة.

• وفي قصته رضي الله عنه فائدة التعلق بالله عز وجل وكتابه العظيم

{كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۢ ١٤بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥كِرَامِۢ بَرَرَةٖ ١٦} [سورة عبس:11-16]

ألا فلنقدتي بهؤلاء الصالحين النبلاء.


[1] البخاري(517)

  • Related Posts

    ضرورة التعاون بين المسلمين

    {ضرورة التعاون بين المسلمين} الشيخ: سعد محسن الشمري إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ…

    صلاح الأمة بالدعوة إلى الله

    {صلاح الأمة بالدعوة إلى الله عز وجل} إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    لا تفوت

    عبد الله بن أم مكتوم

    • يوليو 30, 2026
    • 2 views
    عبد الله بن أم مكتوم

    ضرورة التعاون بين المسلمين

    • يوليو 23, 2026
    • 7 views
    ضرورة التعاون بين المسلمين

    صلاح الأمة بالدعوة إلى الله

    • يوليو 20, 2026
    • 5 views
    صلاح الأمة بالدعوة إلى الله

    شيبتني هود

    • مايو 13, 2026
    • 27 views
    شيبتني هود

    أضواء حول سورة قريش

    • أبريل 18, 2026
    • 37 views
    أضواء حول سورة قريش

    دعوات خبيثة

    • مارس 31, 2026
    • 42 views
    دعوات خبيثة