شيبتني هود

{شيبتني هود وأخواتها}

الشيخ: سعد محسن الشمري

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢}[سورة آل عمران:102]

 {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١}[سورة النساء:1]

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١}[سورة الأحزاب:70_71] 

أَمَّا بَعْدُ

فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ

عباد الله:

 روى الترمذي في سننه:

_عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالوَاقِعَةُ، وَالمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}[1].

وفي رواية: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»

لما في هذه السور العظيمة من ذكر الأمم وما حلَّ بهم من عاجل بأس الله عز وجل ولاشتمالها على الوعيد الهائل، والوعد الصادق، والهول العظيم الذي يفطر الأكباد ويفزع القلوب.

{يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧}[سورة المزمل:17]

وما في هذه السور العظيمة من أهوال الآخرة وعجائبها وأحوال الهالكين ومآل السعداء المتقين.

فحري بالمؤمن أن يقرأ هذه السور ويتأمل ما فيها،  ويتدبر معانيها وما تضمنته من الترغيب والترهيب والتخويف والتشويق ولا سيما “سورة هود”.

سورة هود التي اشتملت على قصص الأنبياء، وكيف نجَّاهم الله عز وجل والمؤمنين بهم وأهلَك الكافرين، وما فيها من القصص الحق والنبأ الصدق والموعظة التي يرتدع بها الكافرون، والذكرى التي يتذكر بها المؤمنون، ومن عظيم ما في هذه السورة- سورة هود-

 بيان أصول السعادة في الدنيا والآخرة من التوحيد الخالص لله عز وجل والاستغفار والتوبة والاستقامة على دين الله عز وجل وعدم الركون إلى الذين ظلموا.

{أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ} [سورة هود:2]

{وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢} [سورة هود:52]

وقال الله تعالى:

{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢}[سورة هود:112]  

هذه الآية عباد الله من أعظم الآيات التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشدِّها علماً وعملاً، يأمر الله عز وجل المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وهذا الأمر -أي الأمر بالاستقامة- من أكبر العون على النصر على الأعداء.

والاستقامة عباد الله صلاح الظاهر والباطن، صلاح العلم والعمل، أن تقوم على الأمر والنهي.

عباد الله: إنَّ صلاح الأمة بانكشاف الغمة، أن تكون أمة قوية بدينها لا تخشى إلَّا الله عز وجل، تستقيم على دين الله تعالى ولا تتلمس قوة دون قوة الله تعالى.

إنَّ البلاء الذي أصاب هذه الأمة في هذه العصور المتأخرة إنَّما هو بأمر الله عز وجل وحكمته وقضائه وقدره.

{وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧}[سورة هود:7]

فهذا البلاء عباد الله: يتبصر فيه المؤمن ليكون لله أقرب، ولطاعته أسرع، ولذكره أخبت وللتوبة والعمل الصالح والاستغفار أن يكون مبادرا.

ومن سُنَّة الله عز وجل في خلقه أن عاقبة الظلم وخيمة، وأنَّ آثاره سيئة على الأفراد والجماعات، وأنَّ الظالم سيبتلى بمن هو أظلم منه.

{وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩}[سورة الأنعام:129]

عباد الله:

وفي سورة هود بعد أن ذكر الله عز وجل الأنبياء ذكر ما حلَّ بأقوامهم من العذاب العظيم:

{وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢}[سورة هود:102]

_عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102][2]

ومن الأحداث العجيبة ممَّا سطَّره التاريخ ما حدث للبرامكة في الدولة العباسية مع ما كانوا فيه من النعيم والسيادة والجاه والعز حتى أُودعوا السجون وسُلبت أموالهم وقُتل جمع منهم,  وممن أُدخل السجن:”الوزير يحيى بن خالد البرمكي وابنه معه”

قال له ابنه وهما في السجن في القيود: يا أبت بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذه الحال.

قال يا بني: دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عز وجل عنها.

وفي عصرنا هذا عباد الله أحداث عجيبة أظهرت سُنَّة الله عز وجل في عباده وأن الظلم لا يدوم، وأنَّ آثاره سيئة، بل وبال على صاحبه.

نسأل الله العافية والسلامة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب يغفر لكم إنَّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: إنَّ الأمر لله سبحانه وتعالى، هو الذي يصرِّف الأمور بحكمته، وينصر المؤمنين برحمته ويعذب الكافرين بعزَّته، هو سبحانه القوي القهار.

لا تغتروا بالدول التي وصفت نفسها بالعظمى، فالله عز وجل أعظم منها وأقدر عليها

هذه عاد التي ظنت أنَّها القوة التي لا أقوى منها.

{فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥}[سورة فصلت:15]

{وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥}[سورة النجم:55]

عباد الله: نثبت على دين الله باليقن بالله وبموعود الله عز وجل، نقرأ ما قصَّه الله عز وجل في كتابه من قصص الأولين.

{وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٠}[سورة هود:120]

نستعين بالله على فعل الخيرات وترك المنكرات والصبر على أقدار الله عز وجل

نتعبد الله تعالى بالإيمان الجازم بقضائه،  وأنَّ الأمر أمر الله عز وجل، وأنَّ الله يعلم الغيب  وأن نتوكل على الله عز وجل،  ونفوض الأمر إلى الله عز وجل  ونعبده حق عبادته ونراقبه في أقوالنا وأفعالنا ونياتنا.

{وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣}[سورة هود:123]


[1] الترمذي: ((3297)) وصححه الألباني

[2] البخاري: 4686

  • Related Posts

    أضواء حول سورة قريش

    {أضواء حول سورة قريش} إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ…

    دعوات خبيثة

    {دعوات خبيثة} إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    لا تفوت

    شيبتني هود

    • مايو 13, 2026
    • 3 views

    أضواء حول سورة قريش

    • أبريل 18, 2026
    • 10 views
    أضواء حول سورة قريش

    دعوات خبيثة

    • مارس 31, 2026
    • 15 views
    دعوات خبيثة

    خطر النفاق

    • فبراير 15, 2026
    • 37 views
    خطر النفاق

    خشية الله في السر والعلن

    • فبراير 5, 2026
    • 43 views
    خشية الله في السر والعلن

    {حسن الظن بالله}

    • يناير 28, 2026
    • 35 views
    {حسن الظن بالله}